على العرب والمسلمين استنـباط نمـوذج تنمـية واقعـي من ابـن خـلدون ومـالك بن نبي
تم نشر مقاطع من هذا الحوار في جريدة الشروق اليويم الجزائرية على الرابط:
http://www.echoroukonline.com/modules.php?name=News&file=article&sid=2851
على هامش فعاليات الملتقى الدولي الأول حول التنمية الواقعية في الجزائر بين الممارسة والفكر المنتج، الذي نظمته جامعة عنابة الجزائرية، وفي إقامته بفندق الأمير وسط مدينة عنابة اسكندرية الجزائر، تقربت من ضيف الجزائر الدكتور مظهر سامر قنطقجي، وهو مستشار خاص في مركز الدكتور سامر بمدينة حماة السورية، والذي شارك في هذا الملتقى الدولي بمحاضرة نوعية قيمة عن النظرية التنموية في فكر ابن خلدون ومالك بن نبي:
1 / بدايـة، لماذا ابن خلدون ومالك بن نبي بالذات دون غيرهما من منظري التنمية في العالم؟
يشكل فكر العالمين (ابن خلدون) و (مالك بن نبي) محور اهتمام كثير من الكتاب والباحثين لما يكتسبه هذا الفكر من عمق وأهمية، فأفكارهما هدفت إلى تسليط الضوء على مسيرة المجتمع الإسلامي قديماً وحديثاً ببيان مكامن الصحوة والقوة فيه وتسليط الضوء على نقاط الضعف التي تحد نشاطه وتشل فاعليته، فأعطت أفكارهما بديلاً يمكّن من الوصول إلى ما سماه (ابن نبي) مرحلة الإقلاع الحضاري.
لذلك فلا نزعم أننا نقوم بطرح نظرية تنموية جديدة، لكن نحاول إعادة تسليط الضوء على إسهامات العلامة (ابن خلدون) وفضله في هذا الاتجاه منذ أكثر من 600 عام إضافة إلى ما أسهم به العالم (ابن نبي) في تجديد الرؤية حول قدرة المجتمع الإسلامي بالقيام بالاقتصاد العالمي بما ينفع الإنسانية بجدارة من خلال فهم الاقتصاد من خلال الإنسان لا العكس، ورغم ما بين العالمين من زمن فإن ما جمعهما من بيئة مغاربية إضافة إلى الإسلام والعروبة يفسر كثيراً من تلك الأفكار المشتركة.
لذلك لابد من تمحيص فكر هذين الرجلين العبقريين في مجال التنمية وإعادة صياغته على ضوء المعطيات الجديدة في ظل فشل الكثير من التجارب التنموية التي انتهجتها الدول العربية، تلك التجارب المستقاة من التجارب الشرقية والغربية دون النظر في تاريخها العريق وبما لديها من كنوز على رفوف المكتبات، وانتشار اقتصاد العولمة والاتفاق الدولي بضرورة معالجة مشاكل الفقر والبطالة والتلوث البيئي وتصحر وما رافق الحضارة الغربية من مشكلات من خلال تجمع دولي وهذا ما وصل إليه العالم في مؤتمر الأرض عام 1992 وما تلاه من مؤتمرات.
2 / ما الذي يجمع بين هذين العالمين في مجال التنمية؟
إن الأفكار التنموية المشتركة لدى (عبد الرحمن بن خلدون) و (مالك بن نبي) تصب في اتجاه واحد، فعلى الرغم من أن ابن نبي أخذ من فكر أستاذه عبد الرحمن بن خلدون، إلا أنهما في النهاية نهلا من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وما تزال أفكار (ابن خلدون وابن نبي) واصفة لأحوال العالمين العربي والإسلامي وصالحة للتطبيق في وقتنا، كما يشترك المفكران في أن العوامل الأخلاقية تلعب دوراً هاماً في الاقتصاد عموماً وفي وضع نظرية تنموية خاصة بالمجتمع الإسلامي عامة والمغاربي خاصة، وبناء عليه فإن تصوّر العالمين للنظرية التنموية من خلال التوازن الأخلاقي والاقتصادي، أساسه الإنسان بوصفه عنصر التغيير السلبي والإيجابي إذا أُحسن توجيهه لاستغلال واستثمار موارد البلاد بشكل عقلاني.
لقد حاولتُ التحقق من وجود نظرية للتنمية بشكلها العام والتنمية الاقتصادية بشكل خاص عند مفكرَين رائدَين من مفكري الإسلام، الأول صاحب سبق في كثير من النظريات في الاقتصاد والاجتماع والسياسة وهو عبد الرحمن بن خلدون، والثاني رائد زمانه في الفكر النهضوي وهو مالك بن نبي، وقد استهدفت توضيح المصادر المتعددة التي تناولها كل من ابن خلدون وابن نبي في تناول النظرية (شرعية أو أخلاقية أو علمية) وإثبات أن أفكار ابن خلدون وابن نبي وإن تباينت بعض مصادرها واشتركت في مصدرها الشرعي إنما تصب في اتجاه كونها صالحة للتطبيق في أيامنا الحالية.
3 / هل يمنع وصف ابن نبي بأنه ابن خلدون عصره من وجود نقاط اختلاف بينهما؟
طبعا لا، فرغم أن ابن نبي يصنَّف على أنه من الذين واصلوا الجهد الخلدوني، وهو ما يجعل الفكرين يلتقيان في الكثير من النقاط، ومع ذلك فهناك نقاط اختلاف على غرار أن ابن خلدون أرسى منظورا عمرانيا في لحظة تاريخية لم تكن تسعفها ثورات معرفية كما حصل اليوم وكذلك في عصر ابن نبي، وظل الفكر الخلدوني يتيما وغريبا لم يسعفه النسق المعرفي، وظل إشارات مبهمة لم يستبصرها أهل زمانه ولم يلتفتوا إليها، وهم قد يكونون معذورين في ذلك، حتى استطاعت الثورة المعرفية المعاصرة أن تصل إلى تلك الأفكار التي أكدت على أن ابن خلدون في حدود نظرية العمران كان سابق عصره. فلم تكن لفكرة العمران أي أهمية في عصر بن خلدون أو بالأحرى لم يستشعروا لها موضوعا، في حين أكسبها النسق المعرفي الحديث أهمية جعلتها أشبه بنظرية معاصرة جديدة، انبثقت في غير زمانها. أما ابن نبي، فقد كان مندمجا في عصره محتكا بمعطياته ومعبرا أمينا عن الذوق المعاصر، وربما قد يكون سابقا في نظراته لمشكلات مجاله على أهل مجاله.
كما كانت نظرات ابن خلدون تأملية محضة، تجاوزت النموذج المعرفي السائد، أي أنه حقق سبقا تاريخيا عالميا، بينما نظرات ابن نبي هي تأملية تستعين بمقولات ومفاهيم ومناهج ولغة أثمرها تاريخ المعرفية الاجتماعية الإنسانية، أي أنه كان سابقا ومتجاوزا لمجاله الخاص.
4 / لكن.. ألا تلاحظ أن الدول العربية قاطبة وبدون استثناء من سوريا إلى الجزائر لم تعر هذه النظريات أدنى اعتبار؟
نعم، بل تجاهلتها تماما، ولذلك حدثت الانتكاسات التي عرفتها وتعرفها الكثير من الإيديولوجيات والحركات في الوطن العربي والإسلامي، وهو ما يستدعي أولاً إعادة نظر وثانياً إعادة صياغة لكثير من الأفكار التي حالت دون إعادة تحقيق العالم العربي والإسلامي لنهضته المنشودة في ظل الحضارات المحيطة.
وإذا كانت معظم المحاولات السابقة بهذا الخصوص ليست إلا انعكاساً لأفكار جاءت من الخارج، فإن خصوصيات المجتمعات العربية والإسلامية تستدعي وضع نظرية تنموية تأخذ بعين الاعتبار جميع الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وبقليل من البحث سنجد أن الكثير من المنظرين العرب والمسلمين قد وضعوا أسساً لنظريات تنموية خاصة بالمجتمعات العربية والإسلامية، وإن كان بعضهم لم يهدف لذلك مباشرة، أما ابن خلدون وابن نبي فقد نهلا من منبع واحد وخصصا نظرية تنموية أكثر من غيرهما.
وزيادة في التوضيح نضرب مثالاً عملياً على ذلك، كثيرا ما استشهد به مالك بن نبي في مؤلفاته ومحاضراته، فقد ق
المزيد